عبد الوهاب الشعراني

193

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

« صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام فإنّه يزيد عليه بمائة » . قال الحافظ المنذري وإسنادها صحيح . وفي رواية لأحمد وابن ماجة بإسنادين صحيحين : « وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة » . وروى البزار مرفوعا : « أنا خاتم الأنبياء ، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء » . والأحاديث في فضل الحرمين وبيت المقدس مشهورة ، واللّه تعالى أعلم . [ المنع من شكوى أحد من أهل المدينة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نشتكي أحدا من أهل المدينة المشرفة ، ولا نخيفه ولو بحق لنا ، إكراما لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكون جميع أهل المدينة جيرانه ، وهذا العهد يخل به كثير من التجار وجماعة أمير الحاج ، فمثل هؤلاء سافروا ليربحوا فخسروا لإخلالهم بالتعظيم لمن الوجود كله في بركته صلى اللّه عليه وسلم ، وو اللّه إن غالب الناس اليوم لا تتعدى محبته لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حنجرته وأقل تعظيمه صلى اللّه عليه وسلم أن يكون في الحرمة كأعظم ملوك الدنيا في إكرام جليسه ، ومن نزل عن ذلك فهو قليل الإيمان ، وو اللّه لو شهدت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الآن لغرت عليه من رؤية مثلي له ولم أر نفسي أهلا لرؤيته ، وكيف لمثلنا أن يرى وجها رأى اللّه جهارا وجلس بين يديه . وسمعت سيدي عليا الخواص يقول : من حقق النظر وجد جميع أهل المدينة من حر وعبد صغير وكبير كلهم جالسين في داره صلى اللّه عليه وسلم ، وكيف يخيف الإنسان من هو جالس في دار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويشتكيه من الحكام ، بل رأيت من اشتكى شريفا ابتاع منه تمرا وصار يقول للشريف أنت رافضي كلب ما لك دين ، ولعمري هذا الكلام لا يقع ممن شم رائحة المحبة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن الشرفاء كلهم أولاده صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا كرهوا أحدا من أصحاب والدهم أو سبوه فلا ينبغي أن يحكم بينهم إلا جدهم صلى اللّه عليه وسلم في الآخرة ، وأما نحن فإننا عبيد للفريقين ، وكيف يقول عبد لسيده يا كلب ؟ فالزم الأدب يا أخي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأولاده وأصحابه وجيرانه ، ولا تظهر الخصومة والعصبية لأولاده لأجل أصحابه ولا عكسه ، فإن مثل ذلك ليس إليك واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان مرفوعا : « لا يكيد أهل المدينة أحد إلّا انماع كما ينماع الملح في الماء » . وفي رواية لمسلم وغيره : « لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلّا أذابه اللّه في النّار ذوب الرّصاص أو ذوب الملح في الماء » .